عمر فروخ

370

تاريخ الأدب العربي

ولعلّ صناعة المنطق هكذا يكون حكمها : تنكر أولا وتستعمل آخرا . . . . تشوّقت إلى معرفتها . . . . . » ( بالنثيا 362 - 366 ) . وكان السلطان يعقوب المنصور شديد الرّغبة في علوم الفلسفة . فلما أراد الجواز إلى الأندلس لقتال الإسبان الذين كانوا يلحّون بالاستيلاء على المدن الأندلسيّة من أيدي المسلمين ، انبرى الفقهاء له ثمّ جعلوا يثبّطون الناس عن الانضمام إلى جيش سلطان يقرّب إليه الفلاسفة ويشتغل بعلومهم المخالفة للدين . فاضطرّ المنصور إلى ترضّي الفقهاء فأظهر التبرّؤ من الفلسفة وأهلها ونفى الفيلسوف ابن رشد إلى أليسانة ( وكان معظم أهلها من اليهود ) ، ثم تقدّم إلى الناس بترك هذه العلوم جملة واحدة . ثم إنه أمر « بإحراق كتب الفلسفة ، إلّا ما كان من الطبّ والحساب وما يتوصّل به من علم النجوم إلى معرفة أوقات الليل والنهار وأخذ سمت القبلة . فانتشرت هذه الكتب في سائر ( جميع ) البلاد وعمل بمقتضاها » ( المعجب 255 ) . وعبّأ المنصور جيشا عظيما وجاز إلى الأندلس وواقع الإسبان في معركة الأرك ( سنة 591 ؛ نفح 1 : 443 ) وانتصر انتصارا باهرا . « ثم لمّا رجع إلى مراكش نزع عن ذلك كلّه وجنح إلى تعلّم الفلسفة وأرسل يستدعي أبا الوليد ( ابن رشد ) من الأندلس إلى مراكش للإحسان إليه والعفو عنه فحضر أبو الوليد - رحمه اللّه - إلى مرّاكش . . . . » ( المعجب 225 ) . ومن المتصوّفة في هذا العصر أبو مدين شعيب بن الحسين الأندلسيّ « 1 » ( 520 - 594 ه ) ، أصله من قطنيانة ( قرب إشبيلية ) بدأ حياته حائكا ثمّ مالت نفسه إلى العلم . انتقل إلى المغرب وسكن فاس وأخذ التصوّف عن أبي يعزّى ( يعزّة ) الحرميزي وعن عليّ بن حرزهم وعن الدقّاق الذي ألبسه الخرقة ( أجازه بسلوك طريق التصوّف منفردا ) . ورحل أبو مدين وحجّ ولعلّه اجتمع في مكّة بعبد القادر الجيلانيّ وبنفر من أتباع الغزّالي فرجع متأثّرا جدّا بآراء الغزّالي ( ت 505 ه ) والجيلاني ( ت 561 ه )

--> ( 1 ) راجع : عنوان الدراية 55 - 65 ؛ نيل الابتهاج 127 - 129 ؛ العربي 12 / 69 ص 106 ؛ الأصالة 4 : 26 ص 284 ؛ دائرة المعارف الإسلامية 1 : 137 - 138 ؛ الأعلام للزركلي 3 : 244 ( 166 ) .